محمد بن جرير الطبري

308

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال أبو جعفر : والقراءة مختلفة في قراءة قوله : لا تَعْبُدُونَ فبعضهم يقرؤها بالتاء ، وبعضهم يقرؤها بالياء ، والمعنى في ذلك واحد . وإنما جازت القراءة بالياء والتاء وأن يقال : لا تَعْبُدُونَ و " لا يعبدون " وهم غيب ؛ لأَن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف ، فكما تقول : استحلفت أخاك ليقومن ، فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك ، وتقول : استحلفته لتقومن ، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب ؛ لأَنك قد كنت خاطبته بذلك ، فيكون ذلك صحيحا جائزا ، فكذلك قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ و " لا يعبدون " . من قرأ ذلك بالتاء فمعنى الخطاب إذ كان الخطاب قد كان بذلك ، ومن قرأ بالياء فلأَنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم . وأما رفع لا تعبدون فبالتاء التي في تعبدون ، ولا ينصب ب " أن " التي كانت تصلح أن تدخل مع : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ لأَنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل كان وجه الكلام فيه الرفع كما قال جل ثناؤه : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ رفع " أعبد " إذ لم تدخل فيها أن بالأَلف الدالة على معنى الاستقبال . وكما قال الشاعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فرفع " أحضر " وإن كان يصلع دخول " أن " فيها ، إذ حذفت بالأَلف التي تأتي بمعنى الاستقبال . وإنما صلح حذف " أن " من قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ لدلالة ما ظهر من الكلام عليها ، فاكتفى بدلالة الظاهر عليها منها . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ حكاية ، كأنك قلت : استحلفناهم لا تعبدون ، أي قلنا لهم : والله لا تعبدون ، وقالوا : والله لا يعبدون . والذي قال من ذلك قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك . وبنحو الذي قلنا في قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : أخبرنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قال : أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قال : الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة . القول في تأويل قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . وقوله جل ثناؤه : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً عطف على موضع " أن " المحذوفة في لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ . فكان معنى الكلام : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا . فرفع لا تَعْبُدُونَ لما حذف " أن " ، ثم عطف بالوالدين على موضعها ، كما قال الشاعر : معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب " الحديد " على العطف به على موضع الجبال ؛ لأَنها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبا ، فعطف بالحديث على معنى الجبال لا على لفظها ، فكذلك ما وصفت من قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . وأما الإِحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إذ كان مفهوما معناه ، فكان معنى الكلام